الرد على الذين أنكروا حديث إن أبي وأباك في النار وزعموا أنه شاذ

الرد على الذين أنكروا حديث إن أبي وأباك في النار وزعموا أنه شاذ

قبل أن أبدأ أقول صح عن الحسن المثلث ابن علي بن أبي طالب أنه قال لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله فأبغضونا قال: فقال له رجل: إنكم ذو قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل بيته فقال الحسن: ويحكم لو كان الله عز وجل نافعاً بقرابة من رسوله بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه وأمه (انظر تخريجه في هذه المقالة بالتفصيل)

هذا يعني أن أبويه عند الحسن المثلث هما من أهل النار

والآن نبدأ

قال أنس بن مالك أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار.

حكم الحديث: هو في أقصى درجات الصحة وقال الزهري سلموا لِلسُّنَّةَ ولا تعارضوها (انظر تخريج قول الزهري في هذه المقالة)

وسأرد على كل الشبه التي أثاروها وخاصة أنهم مسكوا بزلة عالم متأخر ثم يقولون قال جماعة من العلماء هذا شاذ ولم يصرحوا بأسماء هؤلاء وهل هم من المتقدمين أم المتأخرين لأنه الفرق في العلم بين المتقدمين والمتأخرين كالفرق بين السماء والأرض فالمتأخرون يأخذون العلم - كفلان ثقة وفلان ضعيف وحديث كذا معلول وحديث كذا صحيح - من العلماء المتقدمين وذلك أن المتقدمين هم الذين عاصروا الرواة والمتأخرون مقلدين لهم في ذلك!

أخرجه مسلم في صحيحه ط التركية (ج1/ص132) من طريق عفان بن مسلم ثقة ثبت وأحمد بن حنبل في المسند ط الرسالة (ج19/ص228) من طريق وكيع بن الجراح ثقة جبل وأبو داود السجستاني في سننه ت الأرنؤوط (ج7/ص100) من طريق موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة ثبت ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، عن ‌ثابت، عن ‌أنس

إسناده في أشد درجات الصحة وكذلك صححه ابن الجوزي والذهبي وما نعلم أحداً من المتقدمين رد هذا الحديث

لكن رده السيوطي وهو عالم متأخر توفي سنة 911 هجري بينما الإمام مسلم توفي سنة 261 هجري يعني بين وفاة السيوطي والإمام مسلم 650 سنة والإمام مسلم أعلم من السيوطي بكثير وذلك بإجماع أهل العلم!

فأقول أتقارنون السيوطي بالإمام الجبل مسلم بن الحجاج!

والسيوطي مقلد من الناحية الحديثية ومثله جميع العلماء المتأخرين فإن قلت كيف هو مقلد أو كيف المتأخرون جميعهم مقلدين؟ فأقول مثلاً عندما السيوطي أو ابن حجر..إلخ من المتأخرين يصحح حديثاً أو يضعفه فهو على ماذا يعتمد؟ فأقول هو يعتمد سواء في توثيق أو تضعيف الراوي على أقوال المتقدمين كالإمام مسلم والبخاري ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين..إلخ

فإن علمت هذا فأقول دعنا الآن نأتي إلى ما قاله السيوطي في نقاط ثم نرد عليه في كل نقطة من أقوال المتقدمين أي أئمة العلل والجرح والتعديل كأحمد ويحيى وغيرهما


النقطة الأولى من السيوطي

قال السيوطي في الحاوي وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكر: «إن ‌أبي ‌وأباك ‌في النار»، ولكن قال له: «إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار»، وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده بأمر البتة، وهو أثبت من حيث الرواية فإن معمراً أثبت من حماد (الحاوي للفتاوي للسيوطي ج2/ص273)

يعني يقصد السيوطي أن معمراً خالف حماد بن سلمة ولم يذكر "إن أبي وأباك في النار" ومعمر أثبت من حماد

ولا شك أن كلام السيوطي باطل والعكس هو الصحيح فحماد بن سلمة من أثبت وأعلم أهل الأرض بثابت وحماد أثبت من معمر في ثابت خصوصاً كما قال الأئمة المتقدمون ولنرى أقوالهم معاً

1) الإمام أحمد بن حنبل

قال عبد الملك الميموني سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قيل لأحمد بن حنبل فكيف معمر في ثابت أيهما أحب إليك حماد بن سلمة أو معمر؟ قال: ما أحد روى عن ثابت أثبت من حماد بن سلمة وقال الفضل بن زياد سئل أحمد بن حنبل عما روى معمر عن ثابت؟ فقال: ما أحسن حديثه ثم قال: حماد بن سلمة أحب إلي ليس أحد في ثابت مثل حماد بن سلمة وقال أبو طالب أحمد بن حميد قال أحمد بن حنبل حماد بن سلمة أثبت في حديث ثابت من غيره وقال أبو داود السجستاني سمعت أحمد بن حنبل قال ليس أحد أثبت في ثابت من حماد بن سلمة

والآن انتبه إلى قول أحمد بن حنبل الآتي

قال أبو داود السجستاني سمعت أحمد بن حنبل يقول ولكن ‌حماد بن سلمة عنده عنه ‌تخليط يعني عن ‌حماد بن أبي سليمان!

فانظر عندما يكون شيخ حماد بن سلمة هو ثابت البناني يقول أحمد هو ثبت فيه وعندما يكون شيخ حماد بن سلمة هو حماد بن أبي سليمان يقول أحمد فيه تخليط عنه يعني يخطئ حماد بن سلمة عندما يروي عن حماد بن أبي سليمان

فيأتي الخبثاء بحبهم الكاذب فينقل أن أحمد بن حنبل قال يخطئ فيدلس ويخفي قوله الآخر عن الناس! وصدق الله {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال الحسن البصري: فكان علامة حبهم إياهم اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء الخبثاء يردون قول النبي بدعوة أنهم يحبون والد النبي صلى الله عليه وسلم

(انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج3/ص141 ومسائل أحمد لابن هانئ ت زهير الشاويش ج2/ص207 والمعرفة والتاريخ للفسوي ت العمري ج2/ص166 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج3/ص141 والكامل لابن عدي ج3/ص44 وسؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل ص342 وص291)

2) الإمام يحيى بن معين

قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين حديث معمر عن ثابت مضطرب كثير الأوهام وقال عباس الدوري سمعت يحيى بن معين يقول من خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد وحماد أعلم الناس بثابت ويروى أن المفضل بن غسان الغلابي نقل عن يحيى بن معين أنه قال ومعمر عن ثابت ضعيف

(انظر تاريخ دمشق لابن عساكر ج59/ص414 وتاريخ ابن أبي خيثمة السفر الثالث ط الفاروق ج1/ص327 وتاريخ ابن معين رواية الدوري ج4/ص265 وتاريخ دمشق لابن عساكر ج59/ص411)

3) الإمام علي بن عبد الله بن المديني

قال علي بن المديني وفي أحاديث معمر عن ثابت أحاديث غرائب ومنكرة جعل ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كذا شيء ذكره وإنما هذا حديث أبان بن أبي عياش عن أنس (انظر العلل لابن المديني ص72)

4) أبو زرعة الرازي

قال ابن أبي حاتم الرازي سئل أبو زرعة عن حديث اختلف على ثابت البناني: فروى معمر، عن ثابت، عن أنس قال: وقع فزع بالمدينة وروى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم، عن أبي برزة، عن النبي فقال أبو زرعة الرازي عن أبي برزة أصح من حديث ثابت.

قلت فرجح أبو زرعة حديث حماد بن سلمة على معمر

(العلل لابن أبي حاتم ج3/ص464)

5) الإمام العقيلي محمد بن عمرو

قال العقيلي وأصح الناس حديثاً عن ثابت حماد بن سلمة، ‌وأنكرهم حديثاً عن ثابت معمر (الضعفاء الكبير للعقيلي ج2/ص291)

فهذه أقوالهم في المقارنة بين معمر وحماد وأن حماداً أثبت من معمر بما لا يدع مجالاً للشك!


أما أقوال العلماء في أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني

1) الإمام مسلم

قال الإمام مسلم في التمييز (ص217-218) والدليل على ما بينا من هذا اجتماع أهل الحديث ومن علمائهم على أن أثبت الناس في ‌ثابت البناني ‌حماد بن سلمة وكذلك قال يحيى القطان ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم من أهل المعرفة وحماد يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت كحديثه عن قتادة وأيوب ويونس وداود بن أبي هند والجريري ويحيى بن سعيد وعمرو بن دينار وأشباههم فإنه يخطىء في حديثهم كثيراً وغير حماد في هؤلاء أثبت عندهم كحماد بن زيد وعبد الوارث ويزيد بن زريع وابن علية وعلى هذا المقال الذي وصفنا عن حماد - ابن سلمة - في حسن حديثه وضبطه عن ثابت حتى صار أثبتهم فيه.

وهذا إجماع من الإمام مسلم في أن حماد بن سلمة من أثبت الناس في ثابت!

2) الإمام أحمد بن حنبل

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يعني أحمد بن حنبل يقول حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني وقال حجاج بن الشاعر سمعت أحمد بن حنبل يقول: حماد بن سلمة أعلم الناس بثابت

(انظر العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله ج2/ص131 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج3/ص141)

3) الإمام يحيى بن معين

قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: أثبت الناس في ثابت حماد بن سلمة (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج3/ص141)

4) الإمام أبو حاتم الرازي

قال أبو حاتم الرازي حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت ومرة قال حماد بن سلمة في ثابت أحب إلي من همام وهو أضبط الناس وأعلمه بحديثه بيَّن خطأ الناس

(العلل لابن أبي حاتم ج4/ص12 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج3/ص141)

5) الإمام علي بن المديني

قال علي بن المديني لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة ثم بعده سليمان بن المغيرة ثم بعده حماد بن زيد وهي صحاح (العلل لابن المديني ص72 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج3/ص142)

وقال الذهبي قال علي بن المديني في حماد بن سلمة هو عندي حجة في رجال وهو أعلمهم بثابت وبعمار بن أبي عمار فقال الذهبي معلقاً على هذا الكلام: ولذا احتج به مسلم في الأصول بما رواه عن ثابت وفي الشواهد بما رواه عن غير ثابت (تاريخ الإسلام للذهبي ت بشار ج4/ص342)

6) الإمام الجبل يحيى بن سعيد القطان

قال يحيى بن سعيد القطان حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك ثم قال يحيى القطان ولكن حديث حماد بن سلمة عن الشيوخ عن ثابت وهذا الضرب يعني أنه ثبت فيها (عبد الله البغوي في زوائده على مسند ابن الجعد ص484)

7) الإمام الدارقطني

قال الدارقطني حماد بن سلمة ‌أثبت الناس في حديث ‌ثابت (علل الدارقطني ج12/ص27)


النقطة الثانية من السيوطي

قال السيوطي إن حماداً تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها. انتهى

قلتُ: هذا ذهول من السيوطي، فالقول أن ربيبه دسها في كتبه كذب وهذه القصة رواها كذاب حيث قال ابن عدي في الكامل (ج3/ص47) حدثنا ابن حماد، حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع بن الثلجي أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث حتى خرج خرجة إلى عبادان، فجاء وهو يرويها فلا أحسب إلا شيطانا خرج إليه في البحر فألقاها إليه. قال أبو عبد الله - يعني محمد بن شجاع بن الثلجي - سمعت عباد بن صهيب يقول إن حماد بن سلمة كان لا يحفظ فكانوا يقولون انها دست في كتبه وقد قيل إن بن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث.

قال ابن عدي: وأبو عبد الله بن الثلجي كذاب وكان يضع الحديث قلت وكذبه غيره أيضاً (انظر تاريخ بغداد للخطيب ت بشار ج3/ص315)

وبالتالي فقصة أن ربيبه دسها غير صحيحة فسبحانك هذا بهتان في حق الإمام حماد بن سلمة!

قلت الثلجي لعله كان يحمل على حماد بن سلمة بسبب أنه تكلم في أبي حنيفة (انظر هذه المقالة للفائدة)

قلت والكذاب وضع على الثوري أيضاً (انظر هذه المقالة)


النقطة الثالثة: من السيوطي

قال السيوطي ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ رواية معمر عن ثابت عن أنس، فأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه: «أن أعرابيا قال لرسول الله: أين أبي؟ قال: في النار، قال: فأين أبوك؟ قال: حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» وهذا إسناد على شرط الشيخين، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره. انتهى

قلت باطل بل إسناده ليس على شرط الشيخين وهو إسناد معلول لأن إبراهيم بن سعد قد خولف خالفه معمر فأرسله وهو أثبت منه في الزهري وقال جبلي العلل الإمام أبو حاتم الرازي والدارقطني الصواب المرسل والمرسل من أقسام الحديث الضعيف (انظر تخريج هذا الحديث بالتفصيل في هذه المقالة)

فتأمل العلل التي تخفى على السيوطي غفر الله له ورحمه الله ولهذا وصفوا السيوطي بالتساهل

قلت وهل انتبهت لشيء أيها القارئ؟

عندما كان شيخ معمر بن راشد هو الزهري كان معمر من الأثبات في الزهري كما قال الأئمة المتقدمين وعندما أصبح الشيخ ثابت البناتي كان حماد بن سلمة هو الأثبت فتأمل ودعني اضرب لك مثالاً عملياً على هذا

أنا اسمي عزالدين ابن ايقال وعندي شيخين الأول اسمه عبد القادر والآخر يوسف وأنا لزمت شيخي عبد القادر 10 سنوات بينما لزمت شيخي يوسف سنة واحدة فقط فأنا عزالدين ابن ايقال سأكون ثبتاً في من؟ لا شك سأكون ثبتاً في عبد القادر لأنني جالسته 10 سنوات وبالتالي فلعل الحديث الواحد سمعته منه مئات المرات وأما يوسف فقد أخطأ في رواية الحديث عنه لأنني جالسته قليلاً

مثال آخر لتفهموا

يونس بن أبي إسحاق يروي عن أبيه أبي إسحاق السبيعي وهذا إسناد ضعيف لأن يونس سمع من أبيه بعد اختلاطه بينما لو روى شعبة أو الثوري عن أبي إسحاق فالإسناد صحيح لأن شعبة والثوري سمعا من أبي إسحاق قبل أن يختلط

فتأمل هذه الفروقات الدقيقة من الأئمة المتقدمين! ثم يأتيك الجاهل فيقول أبو إسحاق السبيعي اختلط فيوهمك ولا يقول أن الراوي عنه شعبة أو الثوري لكي لا يفطن الناس إلى أن شعبة والثوري حدثا عنه قبل الاختلاط وبالتالي فروايتهما عنهم صحيحة لأنه حينها لم يكن قد اختلط وإنما اختلط فيما بعد!

ولذلك يقول الله عز وجل {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}!


النقطة الرابعة: إحياء والدي النبي صلى الله عليه وسلم

فأقول الحديث موضوع باطل (انظر تخريجه وكلام الأئمة عليه بالتفصيل في هذه المقالة)

هذا والله أعلم

3 تعليقات

  1. ولكن كيف يكونان بالنار وهم من أهل الفترة؟!
    1. لا تعارض
      كان زيد بن عمرو والد الصحابي سعيد على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم والدليل أخرج البخاري في قصة ذكرها وفي آخرها قال زيد (اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ) فهذا دليل أنه بلغته الحجة
  2. هل يمكن ذكر المرجع الذي صحح فيه الذهبي وابن الجوزي حديث حماد بن سلمة؟