مدى صحة حديث لا طلاق ولا عتاق في إغلاق

حكم الحديث: ضعيف لما سيأتي من أسباب

سأخرج طرقه ثم أضع كلام العلماء في تفسير "إغلاق" بالتفصيل

أخرجه جماعة منهم الإمام أحمد بن حنبل في المسند (ج43/ص378) حدثنا سعد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني ثور بن يزيد الكلاعي، وكان ثقة عن محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي، قال: حججت مع عدي بن عدي الكندي فبعثني إلى صفية بنت شيبة بن عثمان صاحب الكعبة أسألها عن أشياء، سمعتها من عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيما حدثتني أنها سمعت عائشة تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق. إسناده ضعيف محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي قال أبو حاتم الرازي ضعيف الحديث (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج8/ص10)

ورواه محمد بن غالب واختلف عنه

فرواه أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي - ثقة - ، نا محمد بن غالب، نا محمد بن سعيد مردويه، نا قزعة بن سويد، نا زكريا - هو ابن إسحاق المكي -، ومحمد بن عثمان، جميعًًا عن صفية بنت شيبة، عن عائشة عن النبي أخرجه الدارقطني في السنن (ج5/ص66)

وخالفه أبو عمرو بن السماك - ثقة ثبت -  فجعل شيخ ابن غالب كثير بن يحيى حيث رواه عن محمد بن غالب بن حرب، نا كثير بن يحيى - هو أبو مالك البصري-، نا قزعة بن سويد، عن زكريا بن إسحاق - هو المكي -، ومحمد بن عثمان، جميعًا عن صفية بنت شيبة عن عائشة عن النبي أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (ج7/ص585)

قلت محمد بن غالب يروي عن الاثنين وكلاهما ثقة ولا أدري ممن الوهم وهذا إسناد ضعيف قزعة ضعيف ومحمد بن عثمان مجهول لكن قد تابعه زكريا بن إسحاق المكي

وفي قلبي من هذا الحديث لأسباب

1- أين أهل الدنيا من هذا الإسناد أحمد والبخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه..إلخ ولا أقصد بذلك إن الدارقطني تفرد كلا إنما قد توبع إنما أقصد ربما تكون فيه علة ممن فوقه خفيت علينا فمثلاً محمد بن غالب يخطأ في الأسانيد قاله الدارقطني نفسه مع أنه ثقة
2- الإسناد الأول فيه محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي قال فيه أبو حاتم ضعيف ولم يصفه أحد بالصدق فأحياناً يكون الراوي منكر الحديث فيقول أبو حاتم عنه ضعيف مجازًا في موضع وفي موضع آخر يقول منكر الحديث فنعلم بذلك أنه جرح شديد
3- لا أعرف فيما بحثت إن زكريا بن إسحاق المكي يروي عن صفية إلا في هذا الإسناد تفرد عنه قزعة بن سويد وهو ضعيف وأخشى أن زكريا لم يسمع من صفية إنما أرسله أو أسقط قزعة محمد بن عبيد المكي من السند بسبب سوء حفظه ويكون قد سمع زكريا هذا من محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي لأن كلاهما أي زكريا ومحمد بن عبيد مكيان فيعود بذلك الإسناد إلى محمد بن عبيد بن أبي صالح هذا والله أعلم

بالنسبة لمعنى إغلاق

فيه تفسيران

الأول: الإكراه وعليه الأكثرون

1- قال أبو حاتم الرازي معنى (غلاق) يعني الإكراه (العلل لابن أبي حاتم ج4/ص121)
2- قال الطحاوي الإغلاق هو الإطباق على الشيء، فاحتمل بذلك عندنا أن يكون في هذا الحديث أريد به الإجبار الذي يغلق على المعتق وعلى المطلق حتى يكون منه العتاق والطلاق على غير اختيار منه لهما (شرح مشكل الآثار ج2/ص126) يعني قصد الطحاوي الإكراه
3- قال الخطابي معنى الإغلاق الإكراه (معالم السنن للخطابي ج3/ص242)
4- قال أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي الإكراه كأنه يغلق عليه الباب ويحبس ويضيق عليه حتى يطلق، وقيل: معناه لا تغلق التطليقات في دفعة واحدة حتى لا تبقى منها شيء، لكن يطلق طلاق السنة ألا ترى أن الكتب السلطانية في استنطاق جميع الأموال تنطق بإغلاقها (الغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد ج4/ص1383-1384)
5- قال أبو محمد البغوي ومعنى الإغلاق، قيل: هو الإكراه، كأنه يغلق عليه الباب، ويحبس حتى يطلق (شرح السنة للبغوي ج9/ص222)
6- قال ابن السِّيد البَطَلْيَوسي الإغلاق: الإكراه واشتقاقه من أغلقت الباب إغلاقا، كأن المكره سدت عليه الأبواب والسبل، فلم يجد بدا من الطلاق (كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب ج1/ص92)
7- قال الزمخشري فِي إغلاق أَي فِي إِكْرَاه لِأَن الْمُكْره مغلق عَلَيْهِ أمره وتصرُّفه (الفائق في غريب الحديث للزمخشري ج3/ص72)
8- قال الدميري الإغلاق الإكراه، أي لا يصح طلاق المكره (شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ج8/ص4994)
9- قال ابن الجوزي فِي إغلاق أَي فِي إِكْرَاه وَكَأَنَّهُ يغلق عَلَيْهِ الْبَاب وَيحبس وَيكرهُ عَلَى الطَّلَاق وَقيل لَا تغلق التطليقات فِي دفْعَة وَاحِدَة وَلَكِن لتطلق طَلَاق السّنة (غريب الحديث لابن الجوزي ج2/ص161)

الثاني: الغضب أي الشديد

1- قال أبو داود السجستاني الغلاق أظنه في الغضب (سنن أبي داود ت الأرنؤوط ج3/ص516) فقوله أظن كأنه ليست متأكدًا وإلا لجزم والله أعلم
2- الإمام أحمد قالوا رواه عنه حنبل بن إسحاق ذكره أبو بكر الخلال

ورد بعض العلماء من فسره بالغضب منهم ابن السِّيد البَطَلْيَوسي حيث قال وزعم بعض الناس أن الإغلاق الغضب والإغلاق وإن كان يوجد في اللغة بمعنى الغضب، فليس المراد هنا بالحديث ولو كان هذا صحيحًا لم يلزم أحدا طلاق، لأن كل مطلق لا يطلق إلا وهو غضبان على، عرسه غير راض (كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب لابن السيد ج1/ص92)

وقال ابن حجر ورد الفارسي في مجمع الغرائب على من قال الإغلاق الغضب وغلطه في ذلك وقال إن طلاق الناس غالبًا إنما هو في حال الغضب وقال بن المرابط الإغلاق حرج النفس وليس كل من وقع له فارق عقله ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان لكان لكل أحد أن يقول فيما جناه كنت غضبانًا (فتح الباري لابن حجر ج9/ص389)

وقال أبو بكر الجصاص في أما قوله عليه الصلاة والسلام: "لا طلاق في إغلاق": فلا دلالة فيه على حكم طلاق المكره؛ لأن المكره غير مغلق عليه، وإنما المعني فيه المجنون؛ لأنه مغلق عليه في التصرف من سائر الوجوه وهو مأخوذ من: أغلق عليه بابه، ومنع من التصرف من سائر الوجوه، وهذا هو صفة المجنون فأما المكره فتصرفه جائز في سائر ما يتصرف فيه في غير ما أكره عليه، فلا يقال: إنه مغلق عليه، كما لا يقال لمن أغلق عليه أحد أبواب البيت، وهو يمكنه الخروج من سائر الأبواب: إنه مغلق عليه ممنوع من الخروج (شرح مختصر الطحاوي للجصاص ج5/ص8-9)

قلت الإغلاق ليس هو الغضب إنما هو الغضب الشديد الذي يجعل العقل يخرج عن الإدراك والوعي وثبت عن ابن عباس أن طلاق الغضبان يقع (انظر تخريجه هنا)

هذا والله تعالى أعلم

مواضيع ذات صلة

إرسال تعليق