تعقب الخليفي في إسناد إنما استتيب أبو حنيفة لأنه قال القرآن مخلوق واستتابه عيسى بن موسى

قال عمرو بن عبد المنعم في كتابه "الإمام أبو حنيفة ونسبته إلى القول بخلق القرآن وكتاب الحيل المنسوب إليه" (ص18): ذكر الساجي قال نا أبو حاتم الرازي قال نا العباس بن عبد العظيم عن محمد بن يونس قال إنما استتيب أبو حنيفة لأنه قال القرآن مخلوق واستتابه عيسى بن موسى.

ثم قال عمرو بن عبد المنعم: محمد بن يونس لم أقف على من ترجمه وليس هو الكديمي المتهم فهذا متقدم ولعله الجمال قال ابن عدي يسرق الحديث. انتهى

فتعقبه الخليفي فقال: عافاك الله من بلية العجلة محمد ابن يونس هو محمد بن حاتم بن يونس المصيصي منسوباً إلى جده ثقة. انتهى

قلتُ: كلاهما عمرو والخليفي أخطأ

فأما عمرو بن عبد المنعم فقد خمن أنه الجمال ولم يجزم، والسبب في أنه الجمال أن "محمد بن يونس" في طبقته وذلك أن ابن عدي يروي عن الساجي عن عبد العظيم عن راو هو الثالث، والجمال يروي له ابن عدي عن شيخ عن شخ عن الجمال. وليس كذلك فلا دليل أنه من تلاميذ العباس بن عبد العظيم.

وأما الخليفي فلم يسرد دليله وأظن أن دليله هو أن المزي في تهذيب الكمال ت بشار (ج25/ص25) ذكر في ترجمة "محمد بن حاتم بن يونس" أن من تلاميذه العباس بن عبد العظيم، ثم استنتج من هذا فقال لنفسه لو قلت محمد بن يونس كان منسوباً إلى جده هنا فيكون هو هذا. قلتُ وليس كذلك فليس هناك دليل في غير هذا الإسناد أن عباس بن عبد العظيم يروي عن محمد بن حاتم بن يونس وينسبه إلى جده، ولم أجد رواية حتى عن عباس عن محمد بن حاتم بذكر اسم أبيه "حاتم" فلا أدري أهو وهم من المزي أم لا، وللمزي رحمه الله أوهام

والصحيح: أن "محمد بن يونس" تصحيف صوابه "أحمد بن يونس" ينسب إلى جده كثيراً وهو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي وستأتي رواية أخرى لعباس بن عبد العظيم العنبري عن أحمد بن يونس تبرهن أنه أحمد بن عبد الله بن يونس

فإن قيل ما دليلك أنه هو هذا الراوي؟

فأقول الأثر أخرجه غيره

أخرجه حرب الكرماني في مسائله ت فايز (ج3/ص1150) حدثنا عباس بن عبد العظيم، قال: حدثني أحمد بن يونس قال: قال أبو حنيفة عند عيسى بن موسى: القرآن مخلوق، فقال عيسى لابن أبي ليلى: استتبه فإن تاب وإلا فاضرب عنقه.

قلت وسيأتي أنه أحمد بن عبد الله بن يونس

وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ت بشار (ج15/ص516) أخبرني الخلال، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عمر بن الحسن القاضي، قال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا عباس بن عبد العظيم، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: كان أبو حنيفة في مجلس عيسى بن موسى، فقال: القرآن مخلوق، قال: فقال: أخرجوه، فإن تاب وإلا فاضربوا عنقه.

- الخلال هو أبو محمد الحسن بن محمد البغدادي
- أحمد بن إبراهيم هو أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران البزاز
- عمر بن الحسن القاضي هو أبو الحسين ابن الأُشْناني قال الذهبي ضعفه الدارقطني، والحسن بن محمد الخلال، ويروى عن الدارقطني أنه كذاب ولم يصح هذا، ولكن هذا الأشناني صاحب بلايا (ميزان الاعتدال للذهبي ت البجاوي ج3/ص185)

وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ت بشار (ج15/ص516) أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا أحمد بن إسحاق بن وهب البندار، قال: حدثنا محمد بن العباس يعني المؤدب، قال: حدثنا أبو محمد شيخ له، قال: أخبرني أحمد بن يونس، قال: اجتمع ابن أبي ليلى، وأبو حنيفة عند عيسى بن موسى العباسي والي الكوفة، قال: فتكلما عنده، قال: فقال أبو حنيفة: القرآن مخلوق، قال: فقال عيسى لابن أبي ليلى: اخرج فاستتبه، فإن تاب وإلا فاضرب عنقه.

- ابن رزق هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق البزاز المعروف بابن رزقويه ثقة وقال الخطيب في ترجمة شيخه أحمد بن إسحاق بن وهب: حدثنا عنه أبو الحسن ابن ‌رزقويه (انظر تاريخ بغداد للخطيب ت بشار ج5/ص60)
- أخبرنا أحمد بن إسحاق بن وهب البندار يكنى أبا بكر قال الخطيب ثقة
- محمد بن العباس المؤدب هو أبو عبد الله البغدادي مولى ابن أبي هاشم يعرف بلحية الليف قال الخطيب ثقة وقال ابن المنادي كان صدوقاً وصالحاً (تاريخ بغداد للخطيب ت بشار ج4/ص189)
- أبو محمد لم أعرفه


فإن قيل كيف علمت أن "أحمد بن يونس" هو "أحمد بن عبد الله بن يونس" من غير جهة أنه منسوب إلى جده؟

فأقول: قال ابن عدي سمعت الفرهاذاني يقول: سمعت عباس العنبري يحكي عن أحمد بن يونس قال سأل الحسن بن صالح رجلاً عن شيء؟ فقال: لا أدري فقال الآن ‌حين ‌دريت.

وأحمد بن يونس جزماً هنا هو أحمد بن عبد الله بن يونس فهو المشهور بالرواية عن الحسن بن صالح بن حي

- الفرهاذاني هو عبد الله بن محمد بن سيار الفَرْهَيَانِيّ قال ابن عدي رفيق أبي عبد الرحمن -يعني الإمام النسائي-، كان من الأثبات وكان له ‌بصر ‌بالرجال وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن محمد بن سيار الفرهاذاني زاد أبو محمد الشيخ الصالح نا عباس بن عبد العظيم نبأ الاحوص بن جواب (الكامل لابن عدي ط العلمية ج1/ص236 وتاريخ دمشق لابن عساكر ط الفكر ج32/ص195-196)


قلتُ: والخلاصة هو إسناد منقطع فأحمد بن يونس لم يصرح ممن أخذه وإنما رواه بصيغة الإرسال، وقال المعلمي رحمه الله رداً على الضال الكوثري "قد صح عنه -قلتُ يعني عن أحمد بن يونس رواه الآجري عن أبي داود السجستاني سمع أحمد بن يونس- أنه قال: مات الأعمش وأنا ابن أربع عشرة سنة، ورأيت أبا حنيفة ومسعراً، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الحيض. -ثم قال المعلمي- ومات الأعمش سنة ١٤٧، وقيل: في التي تليها، ومات ابن أبي ليلى سنة ١٤٨. وعمر أحمد خمس عشرة سنة على المشهور من وفاة الأعمش. وقد يبرز الأمير للناس، أو يأذن لهم إذناً عاماً، أو يدخل عليه الغلام ابن أربع عشرة سنة مع أبيه أو عمه مثلاً. والله أعلم" (انظر التنكيل للمعلمي ج10/ص338)

قلت: كلام المعلمي محتمل لكن أحمد بن يونس لم يصرح ممن أخذ هذا فقد رواه بصيغة المرسل، ولم يسمع من ابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن الكوفي القاضي إنما يروي عنه بواسطة، فإن كان سمع في الحيض فهو شيء بسيط فيما بحثت، ومثله يشبه الراوي الذي أدرك فلاناً فيراه دون أن يسمع منه فالله أعلم


وله طرق أخرى

اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (ج3/ص422) ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: ثنا الحسن بن أحمد أبو فاطمة، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: أخبرنا عبيد بن هاشم، قال: أول من قال: القرآن مخلوق جهم، فأرسلت إليه بنو أمية فطلبته يعني قتلته فطفى الأمر حتى نشأ رجل بالكوفة فقال: القرآن مخلوق فبلغ ابن أبي ليلى فركب إلى عيسى بن موسى فأخبره فكتب إلى أبي جعفر فكتب إليه أبو جعفر: أن يستتيبه فإن تاب وإلا ضربت عنقه فاستتابوه، فتاب فسكن الأمر.

إسناده مظلم

- محمد بن عبد الرحمن المخزومي لم أعرفه وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن صالح بن ذريح نا ‌محمد ‌بن ‌عبد ‌الرحمن الكوفي ثنا ‌عبيد ‌بن ‌هاشم أبو محمد (تاريخ  دمشق ط الفكر ج30/ص62)

الخطيب في تاريخ بغداد ت بشار (ج15/ص516) أخبرنا ابن الفضل، قال: أخبرنا دعلج بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا، فقال سمعت أبي حماداً، يقول: بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة، فسأله عن القرآن، فقال: مخلوق، فقال: تتوب وإلا أقدمت عليك؟ قال: فتابعه، فقال: القرآن كلام الله، قال: فدار به في الخلق يخبرهم أنه قد تاب من قوله: القرآن مخلوق، فقال أبي، فقلت لأبي حنيفة: كيف صرت إلى هذا وتابعته؟ قال: يا بني، خفت أن يقدم علي فأعطيته التقية.

- سفيان بن وكيع ليس بشيء ضعيف
- عمر بن حماد بن أبي حنيفة مجهول يجب التوقف فيه فقد جاء بما لا يحتمل أخرج البلاذري في فتوح البلدان ط دار ومكتبة الهلال (ص17) حدثني عمر بن حماد بن أبي حنيفة قال حدثنا مالك بن أنس، قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفتح من مصر أو مدينة عنوة فإن المدينة فتحت بالقرآن. قلتُ وهذا كذب قال أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الختلي عن يحيى بن معين محمد بن الحسن بن زبالة المديني ليس بشيء، روى عن مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله: فتحت المدينة بالقرآن وفتحت المدائن بالسيف. هذا كذاب، ليس بشيء، أصحاب مالك يروونه من كلام مالك. وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: محمد بن الحسن الزبالي والله ما هو بثقة حدث عدو الله عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ فتحت ‌المدينة ‌بالقرآن وفتحت سائر المدن بالسيوف. وقال مهنا بن يحيى عن يحيى بن معين إنما كان هذا قول مالك ولم يكن يرويه عن أحد (سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين ط الدار ص390 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ط المعارف العثمانية ج7/ص228 والمنتخب من علل الخلال لابن قدامة ت طارق ص140)

وقد نشرت في استتابة أبي حنيفة وتراجعه في منشور منفصل بعنوان (مدى صحة أول من قال القرآن مخلوق هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت) فراجعه

هذا وبالله التوفيق وبه العصمة

الموضوع التالي الموضوع السابق
1 تعليقات
  • شرير
    شرير 5/26/2024

    يا خوفي بكرة واحد من اطفال الخليفي يقرأ المقالة
    ويبدأ ويعلق او يحكي حكيهم السخيف على صفحاتهم

    "تدافعون عن ابي جيفة
    لو كان احد من السلف لرفضتم الدفاع عنه
    اصبح العاميون اهل للفتوى والكلام "
    ولا تتفاجأ اذا لقيت حالك بكرة جهمي عندهم

إضافة تعليق
رابط التعليق