مدى صحة قالت عائشة فسقطت يد النبي وثقلت رأسه على صدري فعرفت أنه قد مات

تقول السيده عائشة: فسقطت يد النبي وثقلت رأسه على صدري فعرفت أنه قد مات! فلم أدرِ ما أفعل! فما كان مني غير أن خرجت من حجرتي ، وفتحت بابي الذي يطل على الرجال في المسجد وأقول: مات رسول الله، مات رسول الله!

تقول: فانفجر المسجد بالبكاء.

فهذا علي بن أبي طالب أُقعد فلم يقدر على الحِراك!

وهذا عثمان بن عفان كالصبي يؤخذ بيده يمنةً ويسرةً.

وهذا عمر بن الخطاب يرفع سيفه ويقول: من قال إن الرسول قد مات قطعت رأسه، إنه ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى للقاء ربه، وسيعود وسأقتل من قال إنه قد مات!

أما أثبتُ الناس فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، دخل علي النبي واحتضنه وقال: وآخليلاه ، وآصفياه ، وآحبيباه ، وآنبياه وقبَّل النبي وقال: طبت حيًا وطبت ميتًا يا رسول الله ثم خرج يقول من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

حكم الأثر: مخلوط وسأفصله حتى يميز الناس الصحيح من الضعيف من المكذوب

قلت أما قولها (فسقطت يد النبي وثقلت رأسه على صدري فعرفت أنه قد مات! فلم أدرِ ما أفعل! فما كان مني غير أن خرجت من حجرتي ، وفتحت بابي الذي يطل على الرجال في المسجد وأقول: مات رسول الله، مات رسول الله!)

فلم أقف عليه البتة في الكتب بهذا اللفظ وهو موضوع مكذوب

وأما قولها (فانفجر المسجد بالبكاء)

فبعد أن أكد أبا بكر خبر وفاته بأبي وأمي هو للناس بكوا وليس بعد أن قالت لهم عائشة ذلك والدليل

أخرجه البخاري في صحيحه ط السلطانية (ج5/ص6) عن ‌عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات [وفيه]  فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال: {إنك ميت وإنهم ميتون} وقال: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} قال: ‌فنشج ‌الناس ‌يبكون.

لكن هناك خبر فيه أن الناس بكوا قبل أن يتكلم أبو بكر معهم

أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (ج7/ص217) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي، قال: حدثنا أبو علاثة محمد بن عمر بن خالد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة في ذكر وفاته صلى الله عليه وسلم، قال: [وفيه] وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن أم مكتوم قائم في مؤخر المسجد يقرأ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل إلى قوله وسيجزي الله الشاكرين والناس في المسجد قد ملؤه، ويبكون، ويموجون لا يسمعون، فخرج عباس بن عبد المطلب على الناس، فقال: يا أيها الناس....[وفيه أيضاً] فقام أبو بكر إلى جانب المنبر، ثم نادى الناس، فجلسوا وأنصتوا فتشهد أبو بكر، بما علمه من التشهد، وقال...إلخ

وهذا إسناد ضعيف ابن لهيعة ضعيف

وقال المقدسي في البدء والتاريخ (ج5/ص62) قالوا وارتجت المدينة بالصراخ والبكاء واقتحم الناس يقولون مات رسول الله محمد مات محمد.

ولم أقف عليه مسنداً ولعل المقدسي نقله من الكتب فرواه بالمعنى

وقال المقريزي في إمتاع الأسماع (ج14/ص559) قال سيف عن سعيد بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي ملكية [صوابه: مليكة الياء قبل الكاف]، قال: قالت عائشة: فاقتحم الناس حين ارتفعت الربة [صوابه: الرنة بالنون (1)] وسجي رسول الله صلى الله عليه وسلم والملائكة تثوبه، ونقل الرجال، فكانوا كأقوام سحبوا منهم الأرواح، وحق لهم في أحوال من البلاء قسمت بينهم.

- (1) الرنة يعني الصياح

وهذا إسناد هالك ساقط

- سيف هو سيف بن عمر الضبي التميمي الكوفي صاحب الفتوح ولعل المقريزي نقله من كتابه قال ابن حبان يروي الموضوعات عن الأثبات (المجروحين لابن حبان ت حمدي ج9/ص439) وقال أبو حاتم الرازي متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي وقال يحيى بن معين ضعيف (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج9/ص439) وقال الدارقطني متروك (سؤالات البرقاني للدارقطني ت القشقري ص34)
- سعيد بن عبد الله هو سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي وهو مجهول وليس هو سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الجمحي كلا فذاك غير هذا لكنهما متشابهان في الاسم

وقال المقريزي في إمتاع الأسماع (ج12/ص176) قال أسد بن موسى عن سعيد بن عبد الله الجمحي، عن عبد الله بن عمير الليثي، عن أبيه قال: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مكة وعاملها عتاب بن أسيد، فلما بلغهم موت النبي صلى الله عليه وسلم ضج أهل المسجد، فبلغ عتاب، فخرج حتى دخل شعبا من شعاب مكة، وسمع أهل مكة الضجيج، فوافى رجالهم إلى المسجد...إلخ

هكذا "أسد بن موسى" وهو غريب جداً وأظنه وهم من المقريزي أو تصحيف فالذي يرويه عن سعيد بن عبد الله الجمحي هو سيف بن عمر أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ج73/ص57) أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو الحسين بن النقور، أنا أبو طاهر المخلص، نا أبو بكر بن سيف، ثنا السري بن يحيى، نا شعيب بن إبراهيم، نا سيف بن عمر، عن سعيد ابن عبد الله الجمحي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن أبيه قال: فذكر مثله.

وهذا إسناد هالك

- سيف بن عمر هالك كما تقدم
- سعيد ابن عبد الله الجمحي مجهول كما تقدم

وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ط العلمية (ج2/ص204) أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أخبرني أنس بن مالك قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى الناس فقام عمر بن الخطاب في المسجد خطيباً فقال: لا أسمعن أحداً يقول: إن محمداً قد مات ولكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى بن عمران فلبث عن قومه أربعين ليلة والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات.

وهذا إسناد ظاهره الصحة غريب فيه لفظة "بكى الناس"

وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ت الشثري (ج21/ص133) حدثنا عبد العزيز بن أبان عن سفيان [وفي نسخ: "بن عثمان" بدل "عن سفيان"] عن معمر عن الزهري عن أنس قال: لما قبض رسول الله بكى الناس فذكر مثله. 

وهذا إسناد هالك ساقط من أجل عبد العزيز بن أبان الكوفي لكنه قد توبع وليس فيه "بكى الناس"

وأخرجه ابن حبان وليس فيه "بكى الناس" كما في التقاسيم والأنواع (ج7/ص759-760) أخبرنا أبو يعلى، حدثنا أحمد بن جميل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا معمر ويونس، عن الزهري، قال: وأخبرني أنس بن مالك: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر...... قال الزهري: وأخبرني أنس بن مالك: أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب في الناس خطيباً فذكره.

وأما قولها (فهذا علي بن أبي طالب أُقعد فلم يقدر على الحِراك! وهذا عثمان بن عفان كالصبي يؤخذ بيده يمنةً ويسرةً وهذا عمر بن الخطاب يرفع سيفه ويقول: من قال إن الرسول قد مات قطعت رأسه، إنه ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى للقاء ربه، وسيعود وسأقتل من قال إنه قد مات! أما أثبتُ الناس فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، دخل علي النبي واحتضنه وقال: وآخليلاه، وآصفياه، وآحبيباه، وآنبياه وقبَّل النبي وقال: طبت حيًا وطبت ميتًا يا رسول الله ثم خرج يقول من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)

قال المقريزي في إمتاع الأسماع (ج14/ص559) قال سيف عن سعيد بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي ملكية [صوابه: مليكة الياء قبل الكاف]، قال: قالت عائشة: [وفيه] فكذب بعضهم بموته، وأخرس بعضهم فما تكلم إلا بعد النعت، وخلط آخرون فلانوا الكلام بغير شأن، وبقي ومعهم عقولهم وأقعدوا آخرون، فكان عمر فيمن كذب بموته، وعلي فيمن أقعدوا وعثمان فيمن أخرس فخرج من في البيت من الناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى، فقال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، وليرجعن الله تعالى، وليقطعن أيد وأرجل من المنافقين، فتمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الموت، إنما أعده ربه كما وعد موسى، والله لا أسمع أحدا يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي إلا أعلون بسيفي هذا وأما عثمان فإنه لما أعلونه يطق كلاما، وأما علي فإنه أقعد، ولم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر والعباس، فإن الله عز وجل عزم لهما على التوفيق والسداد، وكان الناس لم يرضوا إلا لقول أبي بكر وجاء العباس من قبله فتكلم بنحو من كلامه فما انتهى له أحد ممن ابتلي، حتى أبو بكر فانتهي الناس كلهم إلي قوله، وتفرقوا عن كلامه.

فهذا أقرب سياق له وهذا إسناد هالك ساقط تقدم الكلام عليه

وقال ابن ناصر الدين الدمشقي في سلوة الكئيب بوفاة الحبيب (ص132-133) وروى سيف بن عمر في الفتوح من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: بلغ من وجد رجال من المسلمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صاروا إلى أطوار من الوجد، فأما عمر، فإنه كذب بموته، فقال: أيها الناس كفوا ألسنتكم عن نبي الله وسلم فإن النبي لم يمت، ولكن ربه عز وجل وعده كما واعد موسى، وهو آتيكم والله لا أسمع أحدا يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي إلا علوته بسيفي هذا وأما عثمان فإنه بهت، فلم يطق كلاما وأما علي فإنه أقعد ولم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر والعباس، فإن الله عز وجل دلهما على التوفيق والسداد، وإن كان الناس لم يرعوا إلا لقول أبي بكر، جاء العباس قبله فتكلم بنحو من كلامه، فما انتهى له أحد ممن ابتلي حتى جاء أبو بكر فانتهى الناس كلهم إلى قوله، وتفرقوا عن كلامه.

وهذا إسناد هالك ساقط أيضاً سيف بن عمر التميمي متروك متهم بالكذب

لكن قد صح الأمر عن أبي بكر الصديق من طريق آخر وهو في صحيح البخاري ط السلطانية (ج5/ص6) عن عائشة قالت [وفيه] فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، قال: بأبي أنت وأمي، ‌طبت ‌حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

وأما قولها أن أبا بكر الصديق (دخل علي النبي واحتضنه وقال: وآخليلاه، وآصفياه، وآحبيباه، وآنبياه)

فقد أخرجه أحمد بن حنبل في المسند ط الرسالة (ج40/ص32) من طريق أبي عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة، أن أبا بكر دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، وضع يديه على صدغيه، وقال: ‌وانبياه، واخليلاه، واصفياه.

- يزيد بن بابنوس قال الدارقطني بصري لا بأس به (سؤالات البرقاني للدارقطني ت القشقري ص72) وقال ابن عدي أحاديثه مشاهير (الكامل في ضعفاء الرجال ج9/ص169) وقال البخاري كان من الشيعة الذين قاتلوا علياً (التاريخ الكبير للبخاري ت الدباسي والنحال ج10/ص327)

وأما قولها (وهذا عمر بن الخطاب يرفع سيفه ويقول: من قال إن الرسول قد مات قطعت رأسه)

فله طريق آخر عن عمر بن الخطاب أخرجه أسلم في تاريخ واسط (ص51) والبغوي في معجم الصحابة (ج3/ص147-148) وابن عبد البر في التمهيد ت بشار (ج16/ص347) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق وأخرجه عبد بن حميد في مسنده ت صبحي السامرائي (ص142) والترمذي في الشمائل المحمدية (ص223) من طريق عبد الله بن داود الخريبي وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ط الرسالة (ج6/ص395) من طريق حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي جميعهم عن أبي فراس سلمة بن ‌نبيط عن نعيم بن أبي هند عن ‌نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد [وفيه] فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر رضي الله عنه: لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا ولفظ الخريبي قال عمر لا أسمع أحداً يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات إلا ضربته بسيفي.

وهذا إسناد رجاله ثقات

وأخرجه أبو يوسف القاضي في الآثار (ص214) عن أبي حنيفة، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه [أثر طويل وفيه] فقال عمر: لا أسمع أحداً يقول: مات محمد، إلا ضربته بالسيف.

وهذا إسناد ضعيف أبو حنيفة ضعيف في الحديث

- يزيد بن عبد الرحمن فإذا لم يكن هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي الهمداني الذي ذكره أبو حاتم الرازي وقال يروى عن أنس فلا أدري من هو (انظر الجر والتعديل لابن أبي حاتم ج9/ص277)

هذا والله أعلم

الموضوع التالي الموضوع السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق