مدى صحة أثر ابن عمر وابن عباس في {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله}

قال سعيد ابن مرجانة جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ثم قال ابن عمر: لئن آخذنا بهذه الآية، لنهلكن! ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه قال - يعني سعيد بن مرجانة - ثم جئت عبد الله بن العباس فقلت: يا أبا عباس، إني جئت ابن عمر فتلا هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية، ثم قال: لئن واخذنا بهذه الآية لنهلكن! ثم بكى حتى سالت دموعه! فقال ابن عباس: يغفر الله لعبد الله بن عمر! لقد فرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها كما فرق ابن عمر منها، فأنزل الله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}، فنسخ الله الوسوسة، وأثبت القول والفعل.

حكم الأثر: صحيح وقد أخطأ بعض العلماء في تصحيح بعض أسانيده

سأذكر التخريج مختصراً ثم مطولاً

أما التخريج المختصر

رواه الزهري واختلف عنه

فرواه يزيد بن أبي حبيب ويونس بن يزيد الأيلي والقاسم بن هزان الخولاني وحميد الأعرج أربعتهم عن الزهري عن سعيد بن مرجانة عن ابن عمر

وخالفهم إبراهيم بن سعد فرواه عن الزهري عمن حدثه عن سعيد بن مرجانة عن ابن عمر

وخالفهم جميعًا معمر فرواه عن الزهري مرسلاً

والصواب الأول

وأما التخريج الطويل

1) يزيد بن أبي حبيب عن الزهري

أخرجه الطبري في تفسيره ت شاكر (ج6/ص105) حدثني أبو الرداد المصري عبد الله بن عبد السلام قال، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، عن حيوة بن شريح قال، سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول: قال ابن شهاب، حدثني سعيد ابن مرجانة قال: جئت عبد الله بن عمر فذكره.

قال ابن أبي حاتم الرازي في العلل (ج5/ص39) وسألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن يحيى المعافري، عن حيوة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن مرجانة؛ قال: تلا ابن عمر هذه الآية....؟ قال أبي: كذا قال! وبين يزيد وسعيد الزهري.

وقد توبع حيوة بن شريح أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ج10/ص316) من طريق عمرو بن خالد الحراني وأبو عبيد الهروي في الناسخ والمنسوخ (ص276) من طريق ابن طارق هو عمرو بن الربيع بن طارق المصري كلاهما عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سعيد ابن مرجانة أخبره، أن عبد الله بن عمر فذكره

2) يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري

أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (ج4/ص312) والطبري في تفسيره ت شاكر (ج6/ص105) كلاهما من طريق يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد ابن مرجانة، يحدث بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر بن الخطاب فذكره.

3) القاسم بن هزان الخولاني عن الزهري

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ج49/ص215) أخبرنا أبو الحسين بن أبي الحديد أنبأنا جدي أبو عبد الله أنبأنا أبو الحسن بن السمسار أنبأنا أبو عبد الله بن مروان حدثنا الحسن بن علي بن خلف حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا القاسم بن هزان حدثني الزهري أن ابن عمر قرأ في المسجد ..... قال الزهري فحدثني سعيد بن مرجانة أنه حضر ابن عمر  فذكره.

وقد توبع الحسن بن علي بن خلف أخرجه عبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا (ص92) حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا يزيد بن محمد، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا القاسم بن هزان الخولاني، حدثنا الزهري، أن ابن عمر قرأ في المسجد: {لله ما في السموات وما في الأرض} إلى {يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] فقال: إنا لنؤاخذ بما توسوس به أنفسنا ونشج عند ذلك. قلت وهذا مختصر وتكملته كما تقدم من طريق ابن عساكر ثم يقول الزهري فحدثني سعيد بن مرجانة
- أحمد بن سليمان هو أبو الحسن أحمد بن سليمان بن أيوب بن داود ابن عبد الله بن حذلم الأسدي القاضي
-  يزيد بن محمد هو أبو القاسم يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي

وقد توبع هشام بن عمار تابعه داود بن رشيد أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ج10/ص316) 

وتابعه أيضًا محمد بن وهب الدمشقي أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ط الأصيل (ج2/ص578) حدثنا أبي، ثنا محمد بن وهب بن عطية الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا القاسم بن هزان الخولاني، حدثني الزهري، حدثنا سعيد بن مرجانة، قال: قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت} [البقرة: 286] من العمل. وهذا مختصر

- القاسم بن هزان الخولاني قال أبو حاتم الرازي شيخ محله الصدق (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج7/ص123)

4) حميد الأعرج عن الزهري واختلف عنه

أخرجه عبد الرزاق في التفسير ط العلمية (ج1/ص381) ومن طريق إسحاق بن حجاج الطاحوني كما عند الطبري في تفسيره ت شاكر (ج6/ص107) ومحمد بن حماد الطهراني كما عند ابن منده في الإيمان (ج1/ص368) نا جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: كنت عند ابن عمر فذكره. قال ابن منده إسناده صحيح قلت وهو غير صحيح أعله أبو حاتم والدارقطني كما سيأتي وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند ط الرسالة (ج5/ص194) حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن حميد الأعرج عن مجاهد. وأخرجه ابن المنذر في التفسير (ح1/ص96) حدثنا زكريا بن داود، قال: حدثنا محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن همام، عن جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد.

وهذا الإسناد خطأ مع أن البعض صححه قال الدارقطني كما في العلل (ج13/ص223) وغيره - يعني غير عبد الرزاق - يرويه عن جعفر، عن القاسم بن هزان، عن الزهري، عن سعيد بن مرجانة، عن ابن عمر وهذا أشبه بالصواب من قول عبد الرزاق.

وقال أبو حاتم الرازي في العلل (ج4/ص667) كنت معجبًا بهذا الحديث حتى أصبت له عورة؛ رأيت في رواية أبي ظفر - هو عبد السلام بن مطهر -، عن جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن الزهري، عن رجل، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبي: وهذا الرجل هو سعيد بن مرجانة ومنهم من يروي عن الزهري، عن سالم، ويخطئ فيه وأكثرهم يقولون عن سعيد بن مرجانة، فعلمت أن حديث عبد الرزاق خطأ

قلت قول أبو حاتم الرازي (ومنهم من يروي عن الزهري، عن سالم، ويخطئ فيه) قلت هو سفيان بن حسين وروايته عن الزهري فيها ضعف أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف ت كمال (ج7/ص224) والطبري في تفسيره ت شاكر (ج6/ص107) والحارث المحاسبي في فهم القرآن (ص436) وأحمد بن منيع كما عند البوصيري في إتحاف الخيرة (ج6/ص187) والحاكم في المستدرك (ج2/ص315) والنحاس في الناسخ والمنسوخ (ص275) والمحاملي في أماليه رواية ابن مهدي الفارسي (ص191) ومن طريقه ابن الجوزي في نواسخ القرآن (ص91) من طريق يزيد بن هارون وأخرجها أبو عبيد الهروي في الناسخ والمنسوخ (ص276) من طريق عباد بن العوام كلاهما (يزيد وعباد) عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله: أن ابن عمر فذكره.

5) إبراهيم بن سعد عن الزهري واختلف عنه

فرواه الشافعي عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن ابن شهاب، عن ابن مرجانة، قال: ذكر لابن عباس أن ابن عمر، تلا هذه الآية فذكره. أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (ج4/ص311) والبيهقي في كتابه أحكام القرآن (ج1/ص42) وأيضًا في معرفة السنن والآثار (ج3/ص294)

وخالفه أبو مروان محمد بن عثمان العثماني وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي وسليمان بن داود فرووه عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن من حدثه، عن سعيد ابن مرجانة. أما الأول فأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (ج4/ص312) وأما الثاني فأخرجه يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ (ج1/ص404) ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (ج1/ص509) وأما الثالث فأخرجه الحارث المحاسبي في فهم القرآن (ص436) وقال أبو عبيد الهروي في الناسخ والمنسوخ (ص276) وكان إبراهيم بن سعد يحدثه، عن الزهري، عمن سمع سعيد بن مرجانة عن ابن عباس وابن عمر

ثم قال الطحاوي: فوقفنا بذلك على أن ابن شهاب إنما حدث بهذا الحديث عن ابن مرجانة بلاغًا، ولم يحدث به عنه سماعًا، فبطل بذلك هذا الحديث لبطلان إسناده. انتهى 

قلت والصواب في رواية إبراهيم بن سعد الزهري هو أن هناك رجلاً  بين الزهري وسعيد بن مرجانة ولعل إبراهيم بن سعد نفسه اضطرب فأدخل رجلاً بين الزهري وسعيد بن مرجانة

6) عبد الله بن بديل بن ورقاء عن الزهري

قال الدارقطني كما في العلل (ج13/ص223) ورواه عبد الله بن بديل، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عمر ثم قال الدارقطني هو وهم

7) معمر عن الزهري مرسلاً

أخرجه عبد الرزاق في التفسير (ج1/ص378) ومن طريقه الطبري في تفسيره ت شاكر (ج6/ص107) والجصاص في أحكام القرآن ط العلمية (ج1/ص650) وأبو عبيد الهروي في الناسخ والمنسوخ (ص276) معلقاً نا معمر، قال: سمعت الزهري، يقول: إن ابن عمر قرأ: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] فبكى، وقال: إننا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا؟ فبكى حتى سمع نشيجه، فقام رجل من عنده، فأتى ابن عباس، فذكر له ذلك فقال: يرحم الله ابن عمر، لقد وجد المسلمون نحوا مما وجد، حتى نزلت بعدها: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286]

وصح عن نافع أنه قال ما تلا ابن عمر هذه الآية قط إلا بكى {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] ثم يقول - يعني ابن عمر -: إن هذا لإحصاء شديد (انظر تخريجه هنا)

هذا والله أعلم

مواضيع ذات صلة

إرسال تعليق